تعد الهجرة اليمنية ظاهرة تاريخية عميقة، امتدت عبر قرون من الزمن، وشكّلت جزءًا أصيلًا من مسيرة اليمن الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فبدءًا من أزمنة ما قبل انهيار السدود الكبرى وصولا إلى العصر الحديث، كانت الحروب والفقر وقسوة الظروف الاقتصادية عوامل دافعة للملايين لمغادرة الوطن بحثًا عن حياة أفضل.
وتكشف الدراسات ذات الصلة بالهجرة اليمنية تأثيرات واسعة على الداخل والخارج، من تعزيز النشاط التجاري وبناء الحركة الوطنية إلى نقل المعرفة والثقافة، مع استمرار تحديات الغربة والصعوبات التي تواجه اليمنيين في المهجر اليوم.
وفي هذا الصدد، كشف الكاتب اليمني ونقيب الصحفيين اليمنيين الأسبق عبدالباري طاهر بعنوان "الهجرة اليمنية وآثارها المختلفة"، أن الهجرة اليمنية تُعد ظاهرة تاريخية عميقة الجذور، متأصلة منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث، وتنتج عن عوامل متعددة تشمل انهيار السدود، وانتكاس الزراعة، وتفشّي الحروب الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى ضيق الموارد وصرامة البيئة اليمنية.
ويشير طاهر في مقالته إلى أن اليمن، التي ارتكزت حضارتها على الزراعة والتجارة، تعرضت على مر العصور لصراعات داخلية وتدخلات خارجية من الأحباش والفرس في العصور القديمة، مرورًا بالأيوبيين والمماليك والعثمانيين في العصور الوسطى، وصولاً إلى النفوذ الحديث لإيران والسعودية والإمارات، ما جعل الهجرة فعلًا اضطراريًا في جانب كبير منه، سواء للإنسان أو حتى للحيوانات والطبيعة.ونقل طاهر عن الدكتور أبو بكر السقاف قوله، إن الهجرة اليمنية لم تكن دائمًا ذات دلالة سلبية، لكنها أصبحت بعد استقرار الجماعات والأفراد في أوطان ذات حدود واضحة علامة على اختلال داخلي في تلك الكيانات، وهو ما لم تنجح تلك الجماعات في معالجته ضمن حدود الوطن.
وفي هذا السياق، تحمل الهجرة جانبين متناقضين: إيجابي يشمل التجديد الحضاري والثقافي وتلاقح الشعوب، وسلبي يشمل فقدان الوطن لقدراته وطاقاته اللازمة للبناء والتنمية، وهو ما عبر عنه الأدباء اليمنيون في أعمالهم الأدبية والغنائية، مثل محمد عبدالولي، ومطهر علي الإرياني، وعبدالله البردوني، الذين جسّدوا ألم الغربة والحنين إلى الوطن.
ويؤكد طاهر أن الهجرة اليمنية كانت ذات أثر ملموس في بناء الحركة الوطنية، حيث وثق المؤرخ علي محمد عبده دور المهاجرين في رفد الحركة الوطنية في شمال اليمن، فيما ركّز الباحث مسعود عمشوش على الهجرة الحضرمية إلى جنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا، ودورها في الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية، فيما سجل الباحث محمد عبدالقادر بامطرف، والموثق سعيد الجناحي، والباحث العراقي نزار الحديثي، وغيرهم، مساهمات اليمنيين في النشاط التجاري والحضاري داخل اليمن وخارجها، بما في ذلك صحافة المهجر وشراء المطبوعات الوطنية مثل صحيفة "صوت اليمن".
ويشير طاهر إلى أن اليمنيين أظهروا قدرة فائقة على الإبداع والتكيف، وأسهموا في الفتوحات الإسلامية، وفي بناء المجتمعات في شرق آسيا وأفريقيا، إلى جانب دعم الحركة الوطنية والسياسة الاقتصادية والاجتماعية في بلادهم، إذ ساهمت الأموال العائدة من الهجرة في تعزيز الاقتصاد الوطني على مدى عقود، كما لعب المهاجرون الحضارم دورًا بارزًا في نشر الإسلام والتمدن والتحضر في جنوب شرق آسيا، وفي النشاط التجاري في أفريقيا، وهو دور لم يحظَ بالاهتمام الكافي في الدراسات الرسمية.
ويضيف التقرير أن الباحثين مثل الدكتور محمد أبو بكر باذيب والعزي الصلوي ركزوا على دور علماء الحضارم والمهاجرين في نشر الإسلام وتأثيرهم الحضاري في الهند وأفريقيا، فيما تواجه اليمن اليوم هجرة معاكسة نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتحولت مناطق الجذب إلى مناطق طرد، خصوصًا في دول الخليج والدول الأفريقية، في ظل أزمات دولية حدّت من استقبال المهاجرين، وتصاعد التيارات اليمينية في أوروبا وأميركا التي تجرّم الهجرة وتضطهد المهاجرين، مع تأثير الإرهاب والتيارات الفاشية والنازية الحديثة في زيادة معاناة المهاجرين.
وخلص طاهر إلى أن دراسة الهجرة اليمنية وأثرها التاريخي والحضاري ضرورية لفهم الواقع الراهن واستشراف المستقبل، إذ يشكل الماضي قاعدة أساسية يمكن البناء عليها للوصول إلى آفاق أفضل، ويمثل دراسة هذه الظاهرة مدماكًا لفهم تحولات المجتمع اليمني ودوره الإقليمي والدولي على مر العصور.
